محمد بن جرير الطبري

13

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الغي ، فإنه مصدر من قول القائل : قد غوى فلان فهو ينوى غيا وغواية . وبعض العرب يقول : غوى فلان يغوى . والذي عليه قراءة القراء : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى الفتح ، وهي أفصح اللغتين ، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه فضل . فتأويل الكلام إذا : قد وضح الحق من الباطل ، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه ، فتميز من الضلالة والغواية ، فلا تكرهوا من أهل الكتابين ، ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه ، على دينكم ، دين الحق ؛ فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له ، فإلى ربه أمره ، وهو ولي عقوبته في معاده . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ . اختلف أهل التأويل في معنى الطاغوت ، فقال بعضهم : هو الشيطان . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حسان بن فائد العبسي قال : قال عمر بن الخطاب : الطاغوت : الشيطان . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثني ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حسان بن فائد ، عن عمر ، مثله . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك ، ع من حدثه ، عن مجاهد ، قال : الطاغوت : الشيطان . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا زكريا ، عن الشعبي ، قال : الطاغوت : الشيطان . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ قال : الشيطان . حدثنا بشر بن معاذ ، قال ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : الطاغوت : الشيطان . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ بالشيطان . وقال آخرون : الطاغوت : هو الساحر . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأَعلى قال : ثنا داود ، عن أبي العالية ، أنه قال : الطاغوت : الساحر . وقد خولف عبد الأَعلى في هذه الرواية ، وأنا أذكر الخلاف بعد . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا عوف ، عن محمد ، قال : الطاغوت : الساحر . وقال آخرون : بل الطاغوت : هو الكاهن . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا سعيد ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : الطاغوت : الكاهن . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن رفيع ، قال : الطاغوت : الكاهن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ قال : كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم . أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ، أنه سمعه يقول : وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها ، فقال : كان في جهينة واحد ، وفي أسلم واحد ، وفي كل حي واحد ، وهي كهان ينزل عليها الشيطان . والصواب من القول عندي في الطاغوت : أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده له ، وإنسانا كان ذلك المعبود ، أو شيطانا ، أو وثنا ، أو صنما ، أو كائنا ما كان من شيء . وأرى أن أصل الطاغوت : الطغووت ، من قول القائل : طغا فلان يطغوا : إذا عدا قدره فتجاوز حده ، كالجبروت من التجبر ، والحلبوت من الحلب ، ونحو ذلك من الأَسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء . ثم نقلت لامه أعني لام الطغووت ، فجعلت له عينا ، وحولت عينه فجعلت مكان لامه ، كما قيل جذب وجبذ وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعه ، وما أشبه ذلك من الأَسماء التي على هذا المثال . فتأويل الكلام إذا : فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به ؛ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ يقول : ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يقول : فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه . كما : حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، عن حميد